
شهد المركز الجهوي للبحث الزراعي لتادلة–بني ملال تنظيم يوم تواصلي علمي وميداني متميز، تحت شعار: “ابتكار الأصناف، المنصات التطبيقية، وإكثار البذور من أجل فلاحة مرنة ومستدامة”، وهو شعار يعكس بوضوح التوجه الاستراتيجي نحو بناء نموذج فلاحي قادر على التكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
وقد استقطب هذا الحدث حضورًا وازنًا فاق 200 مشارك، من فلاحين ومكثري البذور ومستشارين فلاحيين، إلى جانب أساتذة جامعيين وممثلي المؤسسات العمومية والجمعيات المهنية، فضلاً عن وسائل الإعلام.
ويأتي هذا الحدث في سياق تنزيل أهداف الاستراتيجية الفلاحية الوطنية “الجيل الأخضر 2020–2030″، التي تجعل من الابتكار الزراعي وتنمية العنصر البشري ركيزتين أساسيتين لمواكبة التحولات التي يعرفها القطاع.
تميزت هذه التظاهرة بإعطاء الانطلاقة الرسمية لأيام عرض منصات التجارب الخاصة بالأصناف الجديدة التي طورها المعهد الوطني للبحث الزراعي، وذلك من طرف السيدة الغوتي لمياء، المديرة العامة للمعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA)، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي يوليها المعهد لتثمين نتائج البحث وتقريبها من الفلاحين.
كما تميزت الجلسة الافتتاحية، التي أشرفت على تسيير كلماتها الافتتاحية السيدة كوثر الفزازي ، مديرة المركز الجهوي للبحث الزراعي لتادلة–بني ملال، بحضور وفد هام من المسؤولين والفاعلين البارزين في القطاع الفلاحي، يتقدمه المدير الجهوي للفلاحة بجهة بني ملال–خنيفرة، والمديرة الجهوية للاستشارة الفلاحية، ورئيس الغرفة الفلاحية، إلى جانب المدير العام للجمعية المغربية لمكثري البذور، والمدير الجهوي للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، فضلاً عن ممثلي مختلف الشركاء المؤسساتيين والمهنيين.
ويعكس هذا الحضور متعدد المستويات الأهمية المتزايدة التي تحظى بها قضايا البحث الزراعي ونقل التكنولوجيا في دعم التنمية الفلاحية.
ويندرج تنظيم هذا اليوم التواصلي ضمن الدينامية التي يقودها المعهد الوطني للبحث الزراعي، والرامية إلى تطوير ونقل التكنولوجيا، من خلال عرض منصات تطبيقية مخصصة لأصناف جديدة من الحبوب والقطاني والأعلاف والنباتات الزيتية.
وتُعد هذه الأصناف رافعة أساسية لتحسين الإنتاجية وجودة المنتجات، خاصة في ظل التحديات المناخية المتزايدة، وعلى رأسها ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف.
وفي هذا السياق، تم تسليط الضوء على التقدم الجيني الذي حققته برامج البحث الزراعي، حيث يطمح المعهد إلى تطوير ما بين 30 و50 صنفًا جديدًا في أفق سنة 2030، مع هدف طموح يتمثل في رفع الإنتاجية بنسبة لا تقل عن 50% عبر مختلف السلاسل الإنتاجية.
وشكلت المنصات التطبيقية المعروضة فضاءً حيويًا للتفاعل المباشر بين الباحثين والمهنيين، حيث تم تقديم تجارب ميدانية وخرائط صنفية للحبوب ضمن شبكة وطنية تضم 12 موقعًا تغطي مختلف البيئات الزراعية الإيكولوجية بالمغرب.
وتتيح هذه المقاربة العلمية تقييمًا دقيقًا لأداء الأصناف في ظروف متنوعة، مما يساعد الفلاحين والمهنيين على اختيار الأصناف الأنسب لكل منطقة، وفق معطيات موضوعية ومجربة ميدانيًا.
ومن أبرز مستجدات دورة 2026، إطلاق برنامج مشترك بين المعهد الوطني للبحث الزراعي وشركة “سوناكوس”، يهدف إلى توسيع نطاق التجارب ليشمل أصنافًا مطورة من طرف مستنبطين آخرين، بما يعزز جودة التقييم المقارن ويغني العرض الصنفي الوطني.
كما يروم هذا البرنامج إعداد خرائط صنفية دقيقة، ودعم اتخاذ القرار لدى الفاعلين في القطاع، في اتجاه فلاحة أكثر كفاءة وتكيفًا مع الخصوصيات الجهوية.
وفي إطار ضمان توفر البذور المحسنة، تم تقديم برنامج إكثار بذور ما قبل الأساس (G1–G2)، الذي يشرف عليه المعهد بشراكة مع مختلف الفاعلين في قطاع البذور، ضمن مقاربة مندمجة تشمل التخطيط والإنتاج والتتبع وضمان الجودة، تحت حكامة مشتركة.
كما تم التأكيد على أهمية السقي التكميلي، خاصة في ظل موسم فلاحي اتسم ببداية جافة، حيث يشكل هذا الإجراء عاملًا حاسمًا في تحسين مردودية المحاصيل وضمان استقرار الإنتاج.
وفي ختام هذا اللقاء، أجمع المشاركون على أن مثل هذه المبادرات تشكل رافعة أساسية لتقوية جسور التواصل بين البحث العلمي والميدان، وتسريع وتيرة نقل الابتكار واعتماده من طرف الفلاحين، بما يسهم في تطوير القطاع الفلاحي على المستويين الجهوي والوطني.
المصدر : مجلة المحيط الفلاحي







































