
في وقت تتزايد فيه التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية على القطاع الفلاحي، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كبلد يستثمر في البحث العلمي والابتكار الزراعي لضمان الأمن الغذائي وتعزيز قدرة فلاحته على الصمود. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة رائدة تجمع بين الباحثين والفلاحين لتطوير أصناف وطنية جديدة من القمح الصلب، قادرة على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية وتحقيق إنتاجية مرتفعة.
ورغم أن الموسم الفلاحي 2025-2026 عرف تساقطات مطرية استثنائية أسهمت في تحسين الإنتاج الزراعي وإنعاش الموارد المائية، إلا أن الخبراء يؤكدون أن هذا التحسن لا ينبغي أن يحجب حقيقة استمرار التقلبات المناخية، التي تفرض الاستعداد الدائم عبر تطوير حلول مبتكرة ومستدامة تخدم الفلاح المغربي.
وفي هذا السياق، يعمل المعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA) بشراكة مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)، وبدعم من مشروع BOLD التابع لـ Crop Trust، منذ أكثر من سبع سنوات، على تطوير أصناف مغربية جديدة من القمح الصلب تتميز بقدرتها العالية على مقاومة الجفاف والحرارة وتحقيق مردودية جيدة حتى في أصعب الظروف المناخية. كما ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الوطنية الرامية إلى رفع نسبة البذور الناتجة عن البحث الزراعي الوطني إلى 50 في المائة بحلول سنة 2030.
وما يميز هذه التجربة هو اعتمادها مقاربة تشاركية غير مسبوقة، تجعل الفلاح شريكاً أساسياً في تطوير الأصناف الجديدة، وليس مجرد مستفيد منها. فقد انتقل الباحثون من المختبرات إلى الحقول، حيث جابت فرق البحث آلاف الكيلومترات عبر المناطق شبه الجافة والقاحلة بالمملكة، من سطات إلى جماعة الشعيب ووادي أركانة وآيت باها، لاختبار الأصناف الجديدة في ظروف الإنتاج الحقيقية والاستماع مباشرة إلى ملاحظات الفلاحين.
وأثبتت هذه المقاربة أن معايير يراها الباحثون ثانوية، مثل لون السنابل وحجم الحبوب وطول القش وحتى خصائص الخبز المنتج، تعد بالنسبة للفلاحين عناصر حاسمة في اختيار الأصناف المناسبة. وهو ما مكّن الباحثين من تطوير أصناف تستجيب للحاجيات الفعلية للمزارعين والأسواق في آن واحد.
كما ساهم المشروع في إعادة زراعة القمح الصلب بمناطق كانت قد تخلت عنه منذ سنوات بسبب ندرة المياه وضعف المردودية، بعدما أثبتت الأصناف الجديدة قدرتها على التأقلم مع الظروف الصعبة وتحقيق نتائج مشجعة.
وأسفرت سنوات البحث والتجارب الميدانية عن بروز ثلاثة أصناف وطنية واعدة، هي “جواهر” و”نشيط” و”سبيل”.
ويتميز صنف جواهر بإنتاجيته العالية في المناطق الأكثر جفافاً وبقدرته على التأقلم مع المواسم غير المنتظمة، بينما أثبت صنف نشيط أداءً متميزاً سواء في المناطق السقوية أو الواحات، في حين حظي صنف سبيل بإشادة واسعة من الفلاحين بفضل إنتاجيته العالية ومقاومته للجفاف وجودة حبوبه ووفرة القش الذي ينتجه.
وقد دخل صنفا جواهر ونشيط مرحلة إكثار البذور لدى الشركة الوطنية لتسويق البذور (SONACOS)، على أن يصبحا متاحين للفلاحين خلال سنتي 2027 و2028، فيما تم تسجيل صنف سبيل رسمياً هذا العام ضمن السجل الوطني للأصناف الزراعية، في خطوة تقرب المغرب أكثر من تحقيق فلاحة أكثر مرونة واستدامة.
المصدر : مجلة المحيط الفلاحي







































